إعلام

الصين تتوغل وتعزز نفوذها عبر التلاعب بالإعلام

فريق عمل المشارق

تطلق الصين حملة شرسة حول العالم لدفع وسائل الإعلام المحلية إلى نقل رسالة بيجين. [Pexels.com]

تطلق الصين حملة شرسة حول العالم لدفع وسائل الإعلام المحلية إلى نقل رسالة بيجين. [Pexels.com]

أظهرت دراسة أن الصين، وبعد إتقانها السيطرة على بيئتها الإعلامية المحلية من خلال الرقابة على الإعلام وقمع شبكة الإنترنت، تحول انتباهها إلى السيطرة على المشهد الإعلامي في دول أجنبية أيضا.

وتعتمد الصين على مزيج من دبلوماسيين يلعبون دور "الذئاب المحاربة" ووسائل إعلام خاصة وأخرى مملوكة للدولة ومؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، للتلاعب بالسردية العالمية الخاصة بمسائل حساسة بالنسبة لجمهورية الصين الشعبية.

وذكرت وزارة الخارجية الأميركية في تقرير نشر في 24 آب/أغسطس أن "أساليب رسائل جمهورية الصين الشعبية تسعى إلى طمس السرديات المنتقدة عبر إغراق البيئة الإعلامية العالمية من أجل تقييد الوصول إلى المحتوى المعارض لسردية بيجين الرسمية وعبر خلق دعم ظاهري مصطنع لسياسات الجمهورية".

وركز التقرير على جهود الصين الرامية إلى التلاعب بالرأي العام العالمي في شينجيانغ، حيث اتهمت بيجين بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية بحق أبناء مجتمع الأويغور ذات الغالبية المسلمة وأفراد من أقليات عرقية ودينية أخرى.

صحافيون يعملون أمام قاعة الشعب الكبرى قبيل انعقاد الجلسة العامة الثانية لمجلس الشعب الصيني في بيجين بتاريخ 8 آذار/مارس. [ليو راميريز/وكالة الصحافة الفرنسية]

صحافيون يعملون أمام قاعة الشعب الكبرى قبيل انعقاد الجلسة العامة الثانية لمجلس الشعب الصيني في بيجين بتاريخ 8 آذار/مارس. [ليو راميريز/وكالة الصحافة الفرنسية]

ضابط شرطة يقوم بدورية بجوار السفارة الصينية في بيشكيك بقرغيزستان في 30 آب/أغسطس 2016. وقد وجدت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أدلة تشير إلى حملة صينية للتحكم بوسائل الإعلام القيرغيزية. [فياتشيسلاف أوسيليدكو/وكالة الصحافة الفرنسية]

ضابط شرطة يقوم بدورية بجوار السفارة الصينية في بيشكيك بقرغيزستان في 30 آب/أغسطس 2016. وقد وجدت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أدلة تشير إلى حملة صينية للتحكم بوسائل الإعلام القيرغيزية. [فياتشيسلاف أوسيليدكو/وكالة الصحافة الفرنسية]

واتهمت بيجين باحتجاز أكثر من مليون من أبناء أقلية الأويغور وغيرهم من الجماعات الناطقة بالتركية ومعظمهم من المسلمين في المنطقة التي تقع في أقصى غربي البلاد، وذلك في إطار حملة قمع مستمرة منذ سنوات وصفتها الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات ونشطاء في مجال حقوق الإنسان بأنها "إبادة جماعية".

وهدف حملة الصين للتأثير على الإعلام هو قمع السرديات التي تنتقد المصالح الصينية وتضخيم السرديات المفضلة لدى بيجين.

وبحسب التقرير، تستخدم بيجين أكثر من 200 مؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي من بلدان ثالثة للوصول إلى جماهير عالمية فيما لا يقل عن 38 لغة بينها الإنكليزية والإسبانية والفرنسية والعربية والروسية، مع إمكانية وصول إلى معدل 309 ألف متابع.

وتوظف لجنة شؤون الفضاء السيبراني وإدارة الدعاية المركزية التابعة لجمهورية الصين الشعبية بصورة مباشرة نحو مليوني مواطن صيني و20 مليون متطوع مدني آخر بدوام جزئي لاستهداف مستخدمي الإنترنت المحليين في الداخل الصيني والمجتمعات الناطقة بالصينية في بلاد المهجر.

وتستخدم الصين أيضا شبكتها الواسعة المؤلفة من دبلوماسيين وحسابات دبلوماسية على مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم.

وتركز غالبية رسائل مواقع التواصل الاجتماعي الدبلوماسية على تسليط الضوء على العلاقات الجيدة مع الدول الأخرى.

وتتبنى جهات أخرى يطلق عليها لقب دبلوماسيي "الذئاب المحاربة" مقاربة أشرس من خلال رفض ودحض وتحريف السرديات التي تناقض الرسائل الرسمية لجمهورية الصين الشعبية.

وجاء في تقرير وزارة الخارجية الأميركية أن "المتصيدين يقدمون على التهجم وإثارة الخلافات وإهانة ومضايقة مستخدمي الإنترنت من أجل بث السم في بيئة الإعلام وتشتيت الانتباه عن السرديات التي تنتقد جمهورية الصين الشعبية".

وإلى جانب حملة بيجين الرامية إلى تكوين سردية محددة بشأن شينجيانغ، تهدف حملات جمهورية الصين أيضا إلى قمع التحركات المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ وتايوان ونشر المعلومات المضللة بشأن غزو روسيا لأوكرانيا والترويج لنظريات المؤامرة حول مسائل أخرى ذات أهمية عالمية.

ويشكل التحكم بالسردية المرتبطة بالصين أولوية استراتيجية بالنسبة لبيجين في ظل سعيها لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي عبر مشروعها للبنى التحتية بعنوان مبادرة الحزام والطريق،والذي يعرف أيضا باسم حزام واحد، طريق واحد.

التغلغل في الشرق الأوسط

ووجد النموذج الصيني جمهورا في بعض البيئات، بحسب نادية حلمي الخبيرة المتخصصة في شؤون السياسة الصينية بجامعة بني سويف في مصر.

ففي الشرق الأوسط مثلا، أظهر صحافيون وإعلاميون وناشطون يتكلمون الصينية والعربية "نشاطا ملحوظا" على مواقع التواصل الاجتماعي ولا سيما على تويتر، مروجين لوجهة نظر بيجين الرسمية في عدد من المواضيع.

وكتبت في 18 تموز/يوليو لموقع مودرن ديبلوماسي الإلكتروني "اللافت هنا هو نجاح تلك الأساليب الصينية في جذب العرب، رغم تأخر تواجدهم على وسائل الإعلام العربية لتوضيح سياسات الصين".

وذكرت حلمي أن "الصين نجحت في بناء بنية تحتية رقمية واسعة تسمح لها بالسيطرة ومراقبة كل منصات التواصل الاجتماعي وعرض الآراء الرسمية للدولة الصينية والحزب الشيوعي الحاكم فيها".

وتابعت أن للصين أكثر من 300 دبلوماسي صيني حول العالم ويملك كل منهم حسابا في أبرز منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يشكل إجمالي يفوق الـ 500 حساب على فيسبوك وتويتر.

وأضافت أن "مهمة هذه الحسابات تتمثل بإعادة التغريد أو النشر أو إبداء الإعجاب بمنشوراتها أو عبر متابعين آخرين، وهو ما يؤدي إلى نشر وجهة نظر الصين والتعبير عنها على الصعيد العالمي في كل المسائل".

وقالت حلمي إن "الصين تعمل على إنشاء قوة مواجهة لمواجهة كل ما يكتب عنها عالميا من وجهة نظر مخالفة لبيجين".

أساليب للتوغل في آسيا الوسطى

ويشكل التواجد الإعلامي لبيجين في آسيا الوسطى مثالا آخر على ذلك.

وبحسب تقرير نشرته منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في 25 آب/أغسطس في بيشكيك، تقدم قرغيزستان دراسة حالة عن جهود الصين الرامية إلى الدخول إلى آسيا الوسطى.

وجاء في التقرير أنه عبر الاستثمار إلى حد كبير في قطاع الإعلام الفقير في قرغيزستان وتوسيع وسائل إعلامها المدارة من الدولة وبناء شراكات مع الشركات المحلية، تأمل الصين برسم المشهد الإعلامي في المنطقة.

وأضاف أن بيجين "تعترف بالحاجة إلى التحكم ببيئة الإعلام في البلدان الأجنبية".

وبدورها، ذكرت نيفا ياو وهي من كبار الباحثين في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومؤلفة التقرير، لإذاعة أوروبا الحرة/راديو ليبرتي لمقال نشر في 27 آب/أغسطس، أن "المال عامل مؤثر وهذه مشكلة لأن القطاع الإعلامي [في قرغيزستان] يفتقر إلى التمويل إلى حد كبير".

وتابعت أن "[الصين] لديها أموال وافرة للاستثمار والإنفاق".

ووجدت دراسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن الاستراتيجية الصينية لها عوامل 3 أساسية، ألا وهي إدراج المحتوى في الإعلام القرغيزي وبناء تواجد محلي لإعلام جمهورية الصين الشعبية وتعزيز التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتعمل السفارة الصينية في بيشكيك على تعزيز التعاون مع قرغيزستان عبر تنظيم رحلات مجانية لإعداد تقارير وتقديم تمويل وحوافز أخرى بحيث ينشر الصحافيون المحليون مقالات إيجابية ويمتنعون عن نشر الأخبار السلبية.

جهود خرقاء

وباعتراف الجميع، تعثرت الصين في محاولتها التأثير على وسائل الإعلام الأجنبية.

وقالت ياو "يمكن ملاحظة الكثير من التصرفات الخرقاء من الجانب الصيني، ولكنه لا يزال ينمو ويتأقلم لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي".

وتابعت "لا تتمتع [الصين] بالنضوج فيما يتعلق بالإعلام العالمي. فإنها تقوم ببساطة بنسخ ولصق ذلك النموذج [من الداخل] عند زيارة الخارج، وترفض في العديد من الحالات الاستماع إلى المواطنين المحليين الذين يعملون لصالحها".

وغالبا ما ينضم الموظفون القرغيزيون إلى القضية الصينية من أجل المال، وليس عن قناعة.

وأوضحت ياو أن "الكثيرين غير مقتنعين بما يفعلونه. فالهدف عملي بغياب أي خيار آخر".

ومع ذلك، حذرت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قائلة إن العواقب قد تكون وخيمة في حال لم تلق بيجين أي اعتراض أو مواجهة.

وذكرت أنه "في حال لم يتم التعامل مع هذا الواقع، قد تؤدي تلبية مصالح الصين إلى تحويل قطاع الإعلام القرغيزي إلى أداة للتأثير على المواقف الرسمية للدولة بشأن مسائل حساسة".

هل أعجبك هذا المقال؟

0 تعليق

سياسة المشارق بشأن التعليقات * معلومات ضرورية 1500 / 1500