أمن

كيف تعامل حزب الله مع أزمات لبنان المتعددة؟

فريق عمل المشارق

image

متظاهر لبناني في شارع مغلق بإطارات مشتعلة خلال تظاهرة في العاصمة بيروت يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر، مع مرور البلاد بأزمة اقتصادية عميقة. [أنور عمرو/وكالة الصحافة الفرنسية]

بيروت - طوال عام 2021 ورغم خسارته احترام العديد من مؤيديه، أثبت حزب الله عدم قدرته على معالجة الأزمات المختلفة التي تعصف بلبنان.

ويرى كثيرون أن ذلك هو نتيجة مباشرة لتبعية زعيم حزب الله حسن نصر الله للنظام الإيراني، وإصراره على حمل شعلة الجنرال الإيراني الراحل قاسم سليماني لجهة إرث التدخل في المنطقة وإراقة الدماء فيها.

وخلال حياته، لم يخف سليماني علاقته بحزب الله وبقائده.

وقال محللون إنه اعتبر نجاح حزب الله في تنفيذ مهامه نجاحا شخصيا له، مشيرين إلى أن عمليات حزب الله في سوريا واليمن والعراق كانت كلها في مناطق سعى سليماني إلى بسط نفوذ إيران فيها.

image

صورة غير مؤرخة نشرها مكتب المرشد الأعلى علي خامنئي في إيران، يظهر فيها هذا الأخير (إلى اليسار) ومعه زعيم حزب الله حسن نصر الله (في الوسط) وقائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني.

image

أنصار حزب الله يحملون صورا للجنرال الإيراني المقتول قاسم سليماني، أثناء إلقاء قائد الحزب حسن نصر الله كلمة متلفزة مطلع العام 2020. [أنور عمرو/وكالة الصحافة الفرنسية]

وبعد مرور عامين على مقتله، لا تزال آثار تلك العلاقة محسوسة في الأزمة الاقتصادية العميقة التي ضربت لبنان والتي صنفت من بين أسوأ الانهيارات الاقتصادية في العالم منذ أكثر من قرن، كما في حالة الشلل الحكومي بسبب اختطاف حزب الله لعملية صنع القرار.

وفي حديث للمشارق العام الماضي، قال النائب السابق في تيار المستقبل مصطفى علوش، إن إرث سليماني مرتبط بشكل مباشر بعلاقته الوثيقة مع نصر الله، كما اتضح من خلال "تأثيره على حزب الله والدعم العسكري واللوجستي والمادي المباشر" الذي قدمه له.

وقال إن هذا النفوذ أثر بشكل مباشر على ما جرى داخل لبنان.

ميليشيا وليس حزبا سياسيا

وتفاقمت الأزمة السياسية والاقتصادية في لبنان خلال العام الماضي بسبب جائحة فيروس كورونا وتبعات الانفجار الكارثي بمرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020.

ويلقي معارضو حزب الله اللوم عليه في الكثير من مشاكل البلد، وقد خسر احترام العديد من أنصاره.

ويتهمه البعض بأنه دولة ضمن الدولة بحكم سلاحه وتورطه في أنشطة فساد وتهريب وحرمانه الخزينة اللبنانية من ملايين الدولارات.

وقال رئيس تحرير إذاعة لبنان الحر أنطوان مراد، إن "شريحة كبيرة من اللبنانيين تحمّل حزب الله مسؤولية إفلاس لبنان على مدى 30 عاما".

وأكد أن الحزب فقد مصداقيته وبات نفوذه الإقليمي في حالة تراجع، وأدت سياساته إلى عزلة لبنان دوليا.

أما منسق حزب جنوبيون من أجل الحرية حسين عطايا، فقال إن حزب الله هو "ميليشيا قبل أن يكون حزبا سياسيا".

وأضاف أنه "كتيبة عسكرية تابعة للحرس الثوري [الإيراني]".

وتابع أنه "يتلقى أوامره من طهران ومن قادة الحرس الثوري الإيراني في دمشق، ويتلقاها اليوم من المستشار الثقافي في السفارة الإيرانية في بيروت، ما يعني أنه غير مؤهل لحل مشاكل لبنان".

وشدد عطايا على ضرورة إبعاد حزب الله عن عملية صنع القرار السياسي.

وذكر "علاوة على ذلك، فإن تورط حزب الله في القتال في سوريا إلى جانب النظام ضاعف من مشاكله في لبنان، وذلك عبر توسيع الانقسام في البلاد بين مؤيدي الثورة السورية ومن يعارضونها".

ولفت عطايا إلى أن مشاركته في القتال "كانت نتيجة قرار إيراني بمساعدة النظام السوري في مواجهة الأغلبية الشعبية السورية".

وأردف "لقد أظهر ذلك للعالم أن حزب الله لا يتمتع بالحرية والاستقلالية في اتخاذ القرارات، بل هو تابع للحرس الثوري الإيراني وولاية الفقيه".

على حزب الله أن ينزع سلاحه

وأكد خبراء أن أحد العوائق الأساسية أمام قدرة لبنان على إخراج نفسه من المستنقع الذي هو فيه، يتمثل بمخزون حزب الله الكبير من الأسلحة والذي يستخدمه لتهديد وترهيب واغتيال خصومه السياسيين.

وقد استعرض الحزب قوة سلاحه في بيروت يوم 14 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حين عمد عناصر من ميليشيات حزب الله وحركة أمل إلى إطلاق قذائف صاروخية وقذائف آر.بي.جي باتجاه حي عين الرمانة المسيحي.

واندلع القتال على خلفية تجمع لمناصري حزب الله وحركة أمل للمطالبة بإقالة القاضي طارق البيطار الذي يقود التحقيق في انفجار مرفأ بيروت.

وبعد أيام قليلة من الحادث، كشف نصر الله لأول مرة عن عدد المقاتلين في صفوف حزبه، قائلا إن لديه مائة ألف مقاتل "مدرب" و "مسلح" تحت تصرفه، بحسب ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي هذا السياق، قال رئيس حركة التغيير إيلي محفوظ إنه "طالما يمسك [حزب الله] بسلاحه وبالدولة، فسيكون المشتبه به الرئيس في سلسلة الاغتيالات والمضايقات التي تطال خصومه".

وأضاف محفوظ أن سلاح حزب الله كان عاملا رئيسا في فشل الحكومات المتعاقبة وتعطيلها عبر وزراء تابعين له عملوا على تقويضها وعلى تخريب علاقات لبنان مع جيرانه العرب والخليجيين.

وتابع "نطالب بالطلاق من حزب الله لأننا لا نستطيع العيش مع ميليشيا ايرانية وليست لبنانية".

ومن جهته، أشار الكاتب السياسي طوني بولس إلى أن أجندة حزب الله تسببت في فشل الدولة وعجزها، عبر إنشائه أنظمة موازية.

وتشمل هذه الأنظمة جهازا أمنيا وشبكة اتصالات ومؤسسات مالية مثل مؤسسة القرض الحسن ومؤسسات طبية وغيرها.

وذكر أن "حزب الله له حكومة وسلطة تنفيذية منفصلة عن الدولة وتشكل دويلته الموازية". وأضاف "إنها تنتظر انهيار الدولة [اللبنانية] لكي تنبثق كدولة شرعية".

’فرقة الموت‘

ومن المعروف أن نصر الله يسيطر على فرقة الموت التي اغتالت معارضين بارزين للحزب.

ويعد اغتيال الناشط السياسي لقمان سليم في شباط/فبراير مجرد مثال واحد من أمثلة عديدة على عمليات القتل الوحشية التي ارتكبها الحزب، والتي غالبا ما ينفذها ما يسمى بـ "الوحدة 121".

وكشفت مصادر أمنية في تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست يوم 25 آب/أغسطس، أن سليم عياش المنتمي إلى الحزب والذي أدين بتورطه في اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، كان عضوا في الوحدة 121.

وقالت المصادر إن الوحدة التي نفذت على الأقل 4 عمليات اغتيال أخرى، تعمل بأوامر مباشرة من نصر الله.

ولكن قال معارض شيعي للحزب المدعوم من إيران، إن "نصر الله يتحكم بلبنان وفقا لمشيئة [المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي]، ويشمل ذلك سلسلة الاغتيالات التي طالت السياسيين والصحافيين، ذلك أن قرارات الحزب ليست مستقلة وإنما هي مركزية وتتبع أجندة معينة".

وأضاف المصدر أن نصر الله "كان في البداية أجيرا صغيرا عملت إيران على تنشئته وجعلته قائدا ومنحته تفويضا كبيرا وصلاحيات لخدمة الوالي الفقيه (خامنئي)".

وكشف عطايا من حزب جنوبيون من أجل الحرية، أن الوحدة 121 التابعة لحزب الله "تشكلت في الأساس لجمع معلومات دولية تحت قيادة عماد مغنية"، المسؤول عن العمليات الدولية للحزب.

وكان مغنية على صلة مباشرة بسليماني، وقد اغتيل عام 2008 وخلفه مصطفى بدر الدين.

وذكر عطايا أنه بعد مقتل بدر الدين، أصبحت الوحدة تحت قيادة نصر الله وتوجيهه المباشر، وتولى طلال حمية في ما بعد مهمة قيادتها.

وأشار عطايا إلى أن حزب الله "هو أقوى وكيل تابع لإيران في شرق البحر المتوسط، وتعتمد عليه بشكل كبير بسبب قربه من الحدود مع إسرائيل".

وأوضح أن "حزب الله يفعل كل ما تطلبه إيران منه ويؤدي خدمات كبيرة لها، مثل شن هجمات ضد إسرائيل في كل مرة تحتاج فيها إلى تعقيد الأمور بصورة أكبر مع الغرب، وخصوصا مع الولايات المتحدة".

عواقب سلبية على لبنان

وقالت الخبيرة الاقتصادية فيوليت غزال البلعة، إن انتشار النفوذ الإيراني عبر حزب الله كان له عواقب سلبية على لبنان، من استجرار عقوبات دولية على أفراد لبنانيين وكيانات لبنانية إلى الانهيار الاجتماعي التام.

وأدى وفقا لها إلى زيادة عزلة لبنان الاقتصادية والمالية داخل المنطقة وخارجها، وانقطاع تدفق الاستثمار والسياحة بسبب موقف الحزب السياسي العدائي تجاه دول الخليج.

وأظهرت إحصاءات البنك المركزي أن البلاد فقدت قدرتها على جذب الدولارات مع بلوغ العجز في ميزان المدفوعات نحو 10.5 مليار دولار في عام 2020، وهو ضعف ما سجله العام السابق.

وبحسب الأمم المتحدة، وصلت نسبة الفقر بين اللبنانيين إلى نحو 74 في المائة نتيجة تراجع سعر صرف الليرة بنسبة 90 في المائة والتدهور المالي الذي ابتلع قيمة الأجور كاملة.

وأعلن البنك المركزي في بيان له يوم 9 كانون الأول/ديسمبر، عن رفع سعر صرف الودائع بالدولار الأميركي في البنوك اللبنانية "من 3900 إلى 8000 ليرة لبنانية".

وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن هذه الخطوة تعتبر بمثابة اعتراف فعلي بانخفاض قيمة الليرة اللبنانية.

من جهة أخرى، لا تزال البلاد غارقة في ظلام دامس مع تأمين الكهرباء ساعتين يوميا فقط.

ولطالما أعلنت إيران عن استعدادها لبناء محطتين للطاقة في لبنان، وأرسلت إليه شحنة نفط عبر سوريا في أيلول/سبتمبر الماضي.

ولكن يشكك كثيرون في دوافع إيران الحقيقية.

وقال محمد قريطم المقيم في بيروت، "لا أسمع سوى عن وعود إيران بالكهرباء، في وقت تواصل فيه توغلها في لبنان وتشديد قبضتها عليه وهذا ما نرفضه".

وحذر من أن "حزب الله يتطلع إلى استغلال الأزمة في البلاد لدعوة إيران لعرض بناء محطات طاقة تسمح بوجود خبراء وفنيين إيرانيين من الحرس الثوري الإيراني على الأراضي اللبنانية".

هل النفوذ الإيراني مفيد للشرق الأوسط؟

0 تعليق

سياسة المشارق بشأن التعليقات * معلومات ضرورية 1500 / 1500