إرهاب

مقابلة تكشف ولاء زعيم هيئة تحرير الشام لشخصه فقط

فريق عمل المشارق

image

أعلن زعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني سابقا ولاءه للقاعدة وعمل لاحقا مع داعش. وها هو اليوم يسعى إلى حفظ ماء وجهه، ليدعي أن هذه التحالفات لم تكن سوى ضرورات استراتيجية فرضها الوضع السياسي السائد في العراق وسوريا. [فيديو أتش.تي.أس]

أنشأ رئيس هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني اسمه على مدى العقدين الماضيين عبر مبايعته لتنظيم القاعدة وعمله مع تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).

اليوم ومع الإعلان عن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار مقابل معلومات عنه، يؤكد الجولاني أن تلك التحالفات فرضتها ضرورات استراتيجية فقط، وأن نعته بالـ "إرهابي" هو "وصف ظالم".

وقال في تحقيق وثائقي أعدته فرونت لاين وبُث في 1 حزيران/يونيو، إنه "نعت سياسي لا يحمل في طياته أي حقيقة أو مصداقية".

لكنه يصعب على الكثيرين ممن عايشوا عن قرب وحشية الجولاني، تصديق ادعاءاته بأنه ليس الرجل الذي يعتقدون.

image

تجمع لمتظاهرين سوريين في بلدة بنش بمحافظة إدلب في 1 أيار/مايو 2020 احتجاجا على هجوم نفذته بحسب تقارير هيئة تحرير الشام على تظاهرة في اليوم السابق. [عمر الحاج قدور/وكالة الصحافة الفرنسية]

image

مقاتلون من هيئة تحرير الشام يطلقون النار من مدفع مضاد للطائرات مثبت على شاحنة صغيرة في محافظة إدلب السورية يوم 7 آب/أغسطس 2019. [عمر الحاج قدور/وكالة الصحافة الفرنسية]

مسار التطرف

نشأ الجولاني الذي ولد عام 1982 تحت اسم أحمد حسين الشرع في دمشق. وكان يبلغ من العمر تقريبا 21 عاما عندما انضم إلى الأردني أبو مصعب الزرقاوي، الذي كان يرأس الجماعة المعروفة آنذاك باسم القاعدة في العراق.

وفي ظل حكم الزرقاوي، أعلن تنظيم القاعدة في العراق مسؤوليته عن عشرات الأعمال العنيفة بينها تفجيرات قاتلة بالسيارات المفخخة وهجمات انتحارية وهجمات القناصة والعبوات الناسفة المزروعة على جانب الطريق واحتجاز الرهائن وعمليات الإعدام وقطع الرؤوس.

وبحلول العام 2004، كان العراق يشهد تفجيرات بسيارات مفخخة بشكل شبه يومي تسببت بمقتل عدد لا يحصى من المدنيين. واعترى القلق آنذاك قيادة تنظيم القاعدة إثر ارتفاع حصيلة القتلى، لدرجة أنها وجهت رسالة إلى الزرقاوي تحثه فيها على الكف عن قتل الأبرياء.

ولكن رفض الزرقاوي العمل بتلك النصيحة.

وأكد الجولاني في الفيلم الوثائقي أنه كان ضد مثل هذه التكتيكات، لكنه مع ذلك بقي مخلصا للمجموعة.

واعتقل الجولاني في الموصل عام 2005 وقضى معظم السنوات الخمس التالية في سجن كامب بوكا الذي كانت تديره الولايات المتحدة في العراق.

وعند إطلاق سراحه، ارتفعت رتبة الجولاني في صفوف القاعدة وتقلد منصب قائد خلية في الموصل حتى وصول الربيع العربي إلى سوريا ليقترح عندها على أبو بكر البغدادي فكرة عودته إلى وطنه الأم.

وبمباركة وأموال زعيم الجماعة التي كانت تعرف آنذاك بـ "دولة العراق الإسلامية"، عاد الجولاني إلى سوريا.

وقال الجولاني لفرونت لاين "أرسل البغدادي إلي 50 ألف دولار أو 60 ألف دولار شهريا لفترة 6 إلى 7 أشهر. طلبت في البدء أن يصحبني مائة رجل، لكن العديد من القياديين لم تعجبهم فكرة توجهي إلى سوريا. فلم يأت معي سوى 6 أشخاص فقط".

’الأمر كله مرتبط بالمال‘

وحرصا على إخفاء انتمائه المتطرف، أمضى الجولاني أشهر عدة في تجنيد مقاتلين وتشكيل جبهة النصرة بهدف معلن هو محاربة نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وفي غضون عام واحد، جمع 5000 رجل ليقاتلوا تحت رايته.

وقالت الصحافية اللبنانية-الأسترالية رانيا أبو زيد التي غطت الحرب في سوريا، "لقد تعلم دروسا من تنظيم القاعدة في العراق ودولة العراق الإسلامية، فامتنع عن محاكاة ممارساتهما في سوريا وعمل على ترسيخ وجوده في المجتمعات المحلية".

وعلى الرغم من رفض الجولاني المعلن لتكتيكات دولة العراق الإسلامية، بدأت جبهة النصرة هجماتها ضد النظام السوري عبر نشرها لشباب انتحاريين.

ولتمويل عملياتها، عمدت جبهة النصرة إلى نهب المصانع وأخذ الأموال من المتعاطفين وخطف المدنيين، وجنت عشرات الملايين من الدولارات من أموال الفدية.

وسرعان ما بدأ التنظيم بإرسال الأموال إلى البغدادي، بينما واصلت داعش قتلها العشوائي للمدنيين في العراق.

ولكن مع سطوع النجم السيء لجبهة النصرة واكتسابها شهرة واسعة، ظهر صراع على السلطة بين البغدادي والجولاني، بدأ معه كفاح الجولاني من أجل البقاء.

ومن دون معرفة الجولاني المسبقة، استولى البغدادي على جبهة النصرة وأعلن عن "اندماجها" مع دولة العراق الإسلامية لإنشاء تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).

"إن الأمر كله يتعلق بالمال" كما أوضح الصحافي الأميركي المستقل ثيو بادنوس، الذي قضى 22 شهرا كرهينة في أحد سجون جبهة النصرة في حلب.

وقال "عندما كان يتجادل عناصر داعش مع عناصر جبهة النصرة، كانوا يقولون إن ’الأمر كله يتعلق بالمال. الأمر كله يتعلق بالمال. تأخذ جبهة النصرة كل الأموال، ونحن داعش، نريد المزيد من هذه الأموال‘".

وبعد أن وضعه التنافس المرير مع البغدادي جانبا، حوّل الجولاني ولاءه لخلف بن لادن، أيمن الظواهري.

محاولات لـ ’حفظ ماء الوجه‘

وفي عام 2016، قطع الجولاني علنا علاقاته مع القاعدة.

لكن يعتبر كثيرون أن انفصال الجولاني عن القاعدة ليس سوى تكتيكا استراتيجيا، ولا ينبع عن اختلاف أيديولوجي حقيقي.

وقالت الصحافية اللبنانية-الأسترالية أبو زيد إن "القاعدة ليست اسما تجاريا شعبيا ومرحبا به، خاصة إذا كنت تحاول إدارة محافظة".

وأوضحت أن "الانشقاق عن القاعدة سيحفظ له ماء الوجه، وسيمكنه من نسج علاقات مع مجموعات سياسية وأحزاب سياسية أخرى وجهات أجنبية فعالية... لذلك ثمة أسباب عملية متنوعة لخطوة الانشقاق عن القاعدة".

وفي عام 2017، أصبح الجولاني عضوا مؤسسا في هيئة تحرير الشام المتطرفة، وذلك في محاولة للنأي بنفسه عن القاعدة وداعش.

وعبر استعمال القوة الغاشمة واستخدام جبهتها السياسية المسماة بحكومة الإنقاذ، سيطرت هيئة تحرير الشام على جزء كبير من محافظة إدلب شمالي سوريا.

فاغتالت قادة الجماعات المعارضة لها وقمعت الناشطين المحليين وفرضت رسوما وغرامات على التجار لتمويل نفسها، كما فرضت فكرها المتشدد على السكان المحليين.

وقال محمد السلوم الذي اعتُقل شقيقه سامر بعد أن اشتكى من فساد هيئة تحرير الشام على مواقع التواصل الاجتماعي، إن "الجولاني يسيطر على معظم جوانب الحياة. وكل من يتفوه بكلمة لا تعجبه يُقبض عليه".

وتابع أن عناصر جبهة النصرة أخذوا شقيقه من منزل عائلته وأعدموه عام 2019، بعد أن أمضى سنة كاملة في أحد سجونها.

’لا يمكن الوثوق‘ بالجولاني

وفي ظهوره الإعلامي مؤخرا، اعتمد الجولاني أسلوب لباس يميل أكثر إلى الهوى الغربي.

ولفت مدير الإعلام الجديد في مركز ابن الوليد للدراسات والبحوث الميدانية في مصر مازن زكي، إلى أنه "من الواضح أن هذا الظهور هو محاولة لتقديم نفسه على أنه شخص معتدل لا علاقة له بالإرهاب".

ولكن أضاف زكي أن الجولاني "شخص متقلب وانتماؤه العقائدي معروف وبالتالي لا يمكن الوثوق به على الإطلاق".

ومن جهته، قال الخبير العسكري المصري والباحث والمتخصص في شؤون الجماعات الإرهابية في المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة وائل عبد المطلب، إن "الجولاني والفكر الذي يمثله هما جزء لا يتجزأ من القاعدة".

وأردف عبد المطلب "الحقيقة أنه يقود جماعة إرهابية ما يجعل الوثوق به أمرا مستحيلا، وبالتالي فإن ما يفعله هو مجرد محاولة للقفز من سفينة غارقة".

وتابع أنه "على مر السنين، لم يجلب الجولاني ومشروعه للسوريين والمدنيين في الشرق الأوسط سوى الخراب والدمار والأهوال"، مضيفا "لذلك يجب اقتلاعه مرة واحدة وإلى الأبد من أجل إحلال السلام المنشود".

[ساهم في هذا التقرير وليد أبو الخير من القاهرة].

هل أعجبك هذا المقال؟

0 تعليق

سياسة المشارق بشأن التعليقات * معلومات ضرورية 1500 / 1500